ابن أبي الحديد

115

شرح نهج البلاغة

ونجيب هذا القائل بأن مراده عليه السلام أنه لم يكن في زمان محمد صلى الله عليه وآله وما قاربه من ادعى النبوة ، فأما هود وصالح وشعيب ، فكانوا في دهر قديم جدا ، وأما خالد بن سنان فلم يقرأ كتابا ، ولا يدعى شريعة وإنما كانت نبوة مشابهة لنبوة جماعة من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يكن لهم كتب ولا شرائع ، وإنما ينهون عن الشرك ، ويأمرون ( 1 ) بالتوحيد . ومنجاتهم : نجاتهم ، نجوت من كذا نجاء ، ممدود ، ونجا مقصور ، ومنجاة على " مفعلة " ، ومنه قولهم : " الصدق منجاة " . قوله عليه السلام : " ويبادر بهم الساعة " ، كأنه كان يخاف أن تسبقه القيامة ، فهو يبادرها بهدايتهم وإرشادهم قبل أن تقوم ، وهم على ضلالهم . والحسير : المعيا ، حسر البعير بالفتح يحسر بالكسر حسورا ، واستحسر مثله ، وحسرته أنا ، يتعدى ولا يتعدى ، حسرا فهو حسير ، ويجوز أحسرته بالهمزة ، والجمع حسرى ، مثل قتيل وقتلى ، ومنه حسر البصر ، أي كل ، يحسر ، قال تعالى : ( ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) ( 2 ) . وهذا الكلام من باب الاستعارة والمجاز ، يقول عليه السلام كان النبي صلى الله عليه وآله لحرصه على الاسلام وإشفاقه على المسلمين ، ورأفته بهم ، يلاحظ حال من تزلزل اعتقاده ، أو عرضت له شبهة ، أو حدث عنده ريب ، ولا يزال يوضح له ويرشده حتى يزيل ما خامر سره من وساوس الشيطان ، ويلحقه بالمخلصين من المؤمنين ، ولم يكن ليقصر في مراعاة أحد من المكلفين في هذا المعنى إلا من كان يعلم أنه لا خير فيه أصلا لعناده وإصراره على الباطل ، ومكابرته للحق . ومعنى قوله : " حتى يلحقه غايته " ، حتى يوصله إلى الغاية التي هي الغرض بالتكليف ، يعنى اعتقاد الحق وسكون النفس إلى الاسلام ، وهو أيضا معنى قوله : " وبوأهم محلتهم " .

--> ( 1 ) ساقطة من ب ( 2 ) سورة الملك 4